وهبة الزحيلي

108

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الآية : وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء 26 / 86 ] رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [ إبراهيم 14 / 41 ] . والمراد بكل ذلك طلب الهداية وترك الضلال . وإنما استغفر له ؛ لوعد سابق منه أن يؤمن ، كما قال تعالى : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ التوبة 9 / 114 ] . ويرى ابن كثير أن الاستغفار للمشركين كان جائزا ثم نسخ في شرعنا ، فقال : وقد استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه مدة طويلة ، وبعد أن هاجر إلى الشام ، وبنى المسجد الحرام ، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام في قوله : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام ، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك ، حتى أنزل اللّه تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ : إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ . . الآية [ الممتحنة 60 / 4 ] يعني إلا في هذا القول ، فلا تتأسوا به . ثم بيّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه ، واستقر التشريع بما دلّ عليه قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [ التوبة 9 / 113 ] « 1 » . والخلاصة : إن الاستغفار بمعنى طلب الهداية والتوفيق حال الحياة لا بأس به ، وأما بعد الموت على الشرك أو الكفر ، فهو ممنوع ، فقول بعض الناس : المرحوم فلان ، وهو يعلم أنه مات كافرا ، غير جائز .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 123 - 124 .